الخواطر والوساوس
الخاطر ما يعرض في
القلب من الأفكار، فإن كان مذموماً داعياً الى الشر سُميّ (وسوسة)،
وإن كان محموداً داعياً الى الخير سميّ (إلهاماً).
ولما كان الخاطر أمراً
حادثاً فلا بد له من سبب فإن كان سببه شيطاناً فهو الوسوسة وإن
كان ملكاً فهو الإلهام وما يستعد به القلب لقبول الوسوسة يسمى
إغواءً وخذلاناً، وما يتهيأ به لقبول الإلهام يسمى لطفاً
وتوفيقاً، والى ذلك أشار سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) بقوله:
(في القلب لمتان لمة من
الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من الشيطان إيعاد بالشر
وتكذيب بالحق)([15])،
وبقوله (صلى الله عليه وآله): (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع
الرحمن)([16]).
إن مجرد الخواطر وحديث
النفس وما يتولد عنه بلا اختيار كالميل وهيجان الرغبة لا
مؤاخذة عليهما، والدليل على عدم المؤاخذة على مجرد الخاطر ما
روي في الكافي.
أنه جاء رجل الى النبي
(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله هلكت، فقال له: هل
أتاك الخبيث فقال لك من خلقك؟ فقلت: الله تعالى، فقال لك: الله
من خلقه؟ فقال له: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا.
فقال رسول الله (صلى
الله عليه وآله): ذاك والله محض الإيمان([17]).
ومثله ما روي: أن رجلاً
أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، نافقت،
فقال: والله ما نافقت ولو نافقت ما أتيتني تعلمني ما الذي رابك،
أظن أن العدو الحاضر أتاك فقال: من خلقك، فقلت: الله تعالى
خلقني، فقال لكَ من خلَقَ الله؟.
قال: إي، والذي بعثك
بالحق لكان كذا فقال: إن الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو
عليكم فأتاكم، من هذا الوجه لكي يستزلكم، فإذا كان كذلك فليذكر
أحدكم الله وحده)([18]).
وقريب منه ما روي: (أن
رجلا ًكتب الى أبي جعفر (عليه السلام) يشكو اليه لمماً يخطر
على باله فأجابه في بعض كلامه: إن الله تعالى إن شاء ثبتك فلا
يجعل لأبليس عليك طريقاً)([19]).
وقد شكا قوم إلى النبي
(صلى الله عليه وآله) لمماً يعرض لهم لأن تهوي بهم الريح أو
يقطعوا أحب إليهم من أن يتكلموا به، فقال رسول الله (صلى الله
عليه وآله): أتجدون ذلك؟ قالوا: نعم، قال: والذي نفسي بيده، إن
ذلك لصريح الإيمان فإذا وجدتموه فقولوا: آمنا بالله ورسوله ولا
حول ولا قوة الا بالله)([20]).
وسئل الصادق (عليه
السلام) عن الوسوسة وإن كثرت فقال: (لا شيء فيها تقول لا إله
الا الله)([21]).
وعن جميل بن دراج قال:
قلت للصادق (عليه السلام): إنه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال: قل
لا إله الا الله.
قال جميل: فكلما وقع في
قلبي قلت لا إله الا الله، فيذهب عني([22]).
ومما يدل على عدم المؤاخذة عليه وعلى الميل وهيجان الرغبة إذا
لم يكونا داخلين تحت الاختيار، ما روي أنه لما نزل قوله تعالى:
(إِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ)([23]).
جاء ناس من الصحابة الى
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: كلفنا ما لا نطيق إن
أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسب بذلك،
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعلكم تقولون كما قال
بنوا اسرائيل سمعنا وعصينا، قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا
واطعنا، فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله تعالى: (لاَ يُكَلّفُ
اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا)([24]).
وما روي عن أمير
المؤمنين (عليه السلام) في قوله سبحانه (إِن تُبْدُواْ مَا فِيَ
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ)([25]
) إن هذه الآية عرضت على الأنبياء والأمم السابقة فأبوا أن
يقبلوها من ثقلها وقبلها رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وعرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى الله عز وجل منهم القبول
على أنهم لا يطيقونها قال: أما اذا قبلت الآية بتشديدها وعظم
ما فيها وقد عرضتها على الأمم السابقة فأبوا أن يقبلوها
وقبلتها أمتك، فحق علي أن أرفعها عن أمتك وقال عز من قائل: (لاَ
يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا)([26]).
وما روي عن النبي (صلى
الله عليه وآله) أنه قال: (وضع عن أمتي تسع خصال: الخطأ
والنسيان وما لا يعلمونه وما لا يطيقونه وما اضطروا اليه وما
استكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق، والحسد ما
لم يظهر بلسان او يد)([27]).
وما روي ان الصادق (عليه
السلام) سئل عن رجل يجيء منه الشيء على حد الغضب يؤاخذه الله
تعالى.
فقال (عليه السلام): إن
الله أكرم من أن يستغلق على عبد([28]).
والمراد من الغضب فيه
الغضب الذي يسلب الاختيار.
الخاطر المحمود
ما ضد الوسوسة الخاطر
المحمود المستحسن شرعاً وعقلاً، ومنه التفكير وهو سير الباطن
من المبادئ الى المقاصد، والمبادئ هي آيات الآفاق والأنفس.
والمقصد هو الوصول الى معرفة موجدها ومبدعها والعمل بقدرته
القاهرة وعظمته الباهرة، وهو أجنحة النفس للطيران الى وكرها
القدسي ومطية الروح للمسافرة الى وطنها الأصلي، وبه تكشف ظلمة
الجهل وأستاره، وتنجلي أنوار العلم وأسراره، ولذا ورد عليه
الحث والمدح في الآيات والأخبار كقوله سبحانه:
(أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ
فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ)([29]).
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ
يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ
اللّهُ مِن شَيْءٍ)([30]).
وقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُواْ
يَأُوْلِي الأبْصَارِ)([31]).
وقوله تعالى: (قُلْ
سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)([32]).
وقوله تعالى: (إِنّ فِي
خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ
وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ)([33]).
وقوله تعالى: (وَفِي
الأرْضِ آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ* وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ
تُبْصِرُونَ)([34]).
وقوله تعالى: (يَذْكُرُونَ
اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)([35]).
وقول رسول الله (صلى
الله عليه وآله):
(التفكر حياة قلب
البصير)([36]).
ينال منزلة التفكير الا من خصه الله عزَّ وجلَّ بنور التوحدي
والمعرفة)([37]).
وقوله (صلى الله عليه
وآله):
(أفضل العبادة إدمان
التفكير في الله وفي قدرته)([38])،
ومراده من التفكير في الله التفكير في قدرته وصنعه وفي عجائب
أفعاله ومخلوقاته وغرائب أفعاله ومخلوقاته، وغرائب آثاره
ومبدعاته لا التفكر في ذاته لكونه ممنوعاً عنه في الأخبار،
ومعللاً بأنه يورث الحيرة والدهشة واضطراب العقل.
وقد ورد: (إياكم
والتفكرّ في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا
الى عظيم خلقه)([39]).
واشتهر عن النبي (صلى
الله عليه وآله) أنه قال:
(تفكروا في آلاء الله
ولا تفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره)([40]).
وقول أمير المؤمنين: (التفكر
يدعو الى البر والعمل به)([41]).
وقوله (عليه السلام): (نبه
بالتفكر قلبك، وجاف عن الليل، جنبك، وأتق الله ربك)([42]).
وقول الباقر (عليه
السلام): (بإجالة الفكر يستدر الرأي المعشب)([43]).
وقول الصادق (عليه
السلام):
(الفكر مرآة الحسنات
وكفارة السيئات وضياء للقلوب وفسحة للخلق وإصابة في صلاح
المعاد وإطلاع على العواقب واستزادة في العلم وهي خصلة لا يعبد
الله بمثلها)([44]).
وقول الرضا (عليه
السلام):
(ليس العبادة كثرة
الصلوة والصوم انما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل).