|
عديدة هي أسباب الزواج
الثاني التي تضطر الرجل إلى البحث عن زوجة ثانية مع زوجته الأولى
أو أن تبحث امرأة عن زوج بعد أن فقدت زوجها، وبغض النظر عن بعض
الاستثناءات والتفصيلات، ما بحث الرجل عن زوجة ثانية أو رغبة
المرأة بالزواج مرة أخرى إلا حلاً لمشاكل وأزمات وفي نفس الوقت هي
ممارسة لحق طبيعي.
من جانب آخر نجد إن الزواج
الثاني من أهم القضايا التي تؤدي إلى إثارة النزاع في الحياة
الزوجية، وقد يصل الأمر إلى أخطر من ذلك بكثير عندما يكون بناء
الأسرة الجديدة على تعاسة وأنقاض أسرة أخرى. إذ إن النساء قد
يتساهلن في كثير من الأمور التي لا يرضين بها، ولكن عندما يصل
الأمر إلى إقدام الرجل على الزواج الثاني، فإنّهن يرفضن ذلك بشدة،
إذ إن المرأة تعتبر ذلك شكلاً من أشكال الخيانة التي لا يمكن
تحملها أو السكوت عليها.
وما أكثر الأسر التي انهار
كيانها وتقوضت أركانها بسبب إقدام الزوج على الزواج الثاني، ولا
يقتصر رفض المرأة (الزوجة الأولى) للزواج الجديد على حقبة زمنية
معينة وإنما بقي إقناع المرأة بذلك وعلى الرغم من احتمال وجود
مصلحة شرعية واجتماعية وأخلاقية أمراً صعباً، فلقد ظل حل تلك
المعضلة العويصة مستصعبا على الرجال طوال التاريخ.
فالمرأة بما تمتلكه من
مخزون هائل من العاطفة والحنان الذي هو الزاد الحقيقي لتربية الجيل،
لا يمكنها تحمل منافس أو أي أحد يحاول القيام بدورها أو تقويض
نفوذها في المنزل.
ولأن للحب الدور الفاعل في
تعزيز وتمتين الروابط الأسرية، نجد أن الإقدام على الزواج الثاني
سوف ينسف أي وجود لذلك الحب، بحكم تصور المرأة أنها قد أخفقت في
علاقتها وأن زوجها لا يضمر لها أي قدر من الحب، وعندها تثور في
نفسها روح الرفض لهذا الوضع الجديد، وقد تصل إلى أن تخرج المرأة من
إطار العقل والسلوك السوي لما قد تشعر به من انهيار نفسي وعجز كامل
عن مجرد ولو التفكير بتقبل هذا الوضع.
بشكل عام، تؤدي النزاعات
إلى ذبول أو موت روح المودة والألفة التي تسود الأسرة، ويحل بسببها
الحقد والضغينة، وإن أخطر ما في هذه المسألة لو استمرت هذه
النزاعات مدة طويلة.
يقول الإمام الشيرازي (قدس
سره الشريف):
إن الدار المتزلزلة لا
تتمكن أن تربي الطفل السليم وأقل من ذلك أن لا يتمكن الطفل إذا كبر
من المعايشة السليمة مع الناس حيث امتزجت نفسه بالمضادة والصحب
والمنافرة.
إن إعلان المرأة لرفضها
للزواج الثاني من قبل زوجها، هو في الحقيقة بداية سلسلة نزاعات لا
تنتهي، كما إن هذا الرفض لن يحل المشكلة بل سيعقدها.
إن من أخطر التداعيات التي
قد تتولد من مخاضات الزواج الثاني هو ما يقع على الأولاد، فالقصص
والحكايات التي تتناولها وسائل الإعلام من هروب الأطفال من بيوت
آبائهم نتيجة لقسوة زوجة الأب أو تهربهم من بيت أمهاتهم بسبب غلظة
زوج الأم.
فالدراسات الاجتماعية
للمجتمعات العربية والإسلامية تؤكد أن هناك زيادة متنامية في عدد
الأطفال الذين يعيشون مع أحد الوالدين، وبالتالي يحرمون من رعاية (الوالد
البديل) أو (الوالدة البديلة) حيث يواجهون ظروفاً اجتماعية ونفسية
وتربوية قد تكون صعبة، وقد تعرضهم للإحباط وتجعلهم فريسة
للاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية.
۞ الزواج
الثاني
إن نجاح الزواج الثاني
وتوافق أبناء الزوجين في العائلة الجديدة يتوقف على نضج الزوجين
وإحساسهما بالمسؤولية، وطبيعة احتياجات الآخرين النفسية والتربوية.
يقول المجدد الثاني الإمام
الشيرازي (قدس سره الشريف): إن من أهم الشرائط العائلية ان يتمكن
الزوجان من الحفاظ على نقاء المحيط العائلي بالنسبة إلى أنفسهما
والى الأولاد، فأن ذلك يؤمن سعادة العائلة أولاً وسعادة ومستقبل
الأولاد ثانياً.
كما إن التماسك الأسري في
العائلة الجديدة لا يتوقف على مدى تعليم الزوجة أو الزوج، ففي
الأرياف والمناطق البدوية ما زال البيت الكبير يضم الأبناء جميعاً
وأحياناً يضم بعض أبناء الأقارب لاسيما إذا كان هؤلاء الأطفال
أيتاماً لا يجدون من يرعاهم.
ولكن قد تبرز مشكلة عند بعض
الأزواج والزوجات القاسية قلوبهم أو قد يغار الزوج أحياناً من
أولاد زوجته وبالعكس إذا كان هناك اهتمام على حساب الطرف الآخر،
وقد تنتهي الغيرة بالحقد والكره.
أما إذا كانت المرأة هي
التي تحتضن أولادها من الزوج السابق مع زوج جديد، يكون عليها واجب
مهم، هو حفظ التوازن في مشاعرها واهتماماتها، وأن تعطي أولوية ولو
ظاهرية إن لم تكن حقيقية للزوج حتى يحس بالسعادة والاطمئنان، ومن
هذا المنطلق سيضفي على البيت كله الحب والتودد وسيتوازن عندها
الزوج في تربيته واهتمامه بأولاده وأولاد زوجته.
إن وجود أطفال جدد من
الزواج الثاني يوثق الترابط الأسري بين جميع الأطراف، أما بالنسبة
لأولاد الزوج وهذا الأخطر فيجب على الرجل أن يكون حاسماً مع زوجته
الثانية ولا يخضع لتأثيرات المرأة إذا كانت لا تقبل أولاده أو
تعاملهم بخشونة وغيرة، وعليه أن يحدد منذ بداية الزواج أنه لن
يتنازل لطرف على حساب الطرف الآخر ـ سواء كان أولاده أم زوجته ـ في
مجال الحب والأمن والرعاية.
إذ أن الأمومة أحياناً تكون
متطرفة فتفضل المرأة أبناءها على أبناء زوجها أو تغار على الزوج من
أولاده، وهنا يقع الخطر، لأن الأب بطبيعته مشغول طوال اليوم، أما
المرأة فهي أكثر التصاقاً واحتضاناً للأولاد، وهنا تقع مسؤوليتها
التربوية في العدل والحب للجميع.
كما إن هناك نماذج عديدة
لرجال كرهوا المرأة بسبب قسوة زوجة الأب وإهمال الأب لهم. وقد وصل
هؤلاء الرجال إلى أعلى المناصب وما زالت هناك تجارب مؤلمة وآلام لا
شعورية مندثرة في عقلهم الباطن وتظهر أتوماتيكياً عندما يتعاملون
مع النساء، وفي النهاية، الوصول إلى قلب الرجل أو المرأة في الزواج
الثاني يبدأ من اهتمام وحب كل طرف لأبناء الطرف الآخر.
۞ التكيف
والموافقة
إن ما ينبغي على الزوج أو
الزوجة الذي يتزوج أو تتزوج مرة ثانية مع وجود أطفال من الزواج
الأول أن يقدم على عملية تكيف ومواءمة نفسية تجعله يتقبل التعامل
مع هؤلاء الأطفال ليس على أنهم أولادهم من صلبه، بل على أنهم بشر
لهم حقوق ومتطلبات إنسانية ثابتة لابد من إشباعها.
لذا فإن على هذا الزوج أو
الزوجة أن يعتبر أولاد الزواج السابق من الشريك الآخر تجربة
إنسانية فذة يمكن من خلالها أن يعبر عما بداخله من التواصل
والتعامل مع البشر، ولاسيما الأطفال بالتربية والتهذيب والمساعدة
على اكتساب المهارات ولذلك فلا ينبغي النظر إلى أطفال الزواج
السابق باعتبارهم عيباً ينتقص من قيمة الشريك في الزواج الثاني، بل
لابد من معاملتهم على أنهم قيمة إنسانية يضيفها الشريك الآخر في
الزواج الثاني إلى هذا الزواج وعلى أنهم يمثلون فرصة أمام الطرف
الجديد في أن يقوم بتجربة التربية والتعامل مع الأطفال وأن ينقل
إليهم القيم والمثل الحميدة وأن يتعامل معهم ويجعل من مشاكلهم أو
متطلباتهم جزءاً أساسياً من حياته.
وبجانب ذلك فإن هناك خطوط
عامة يجب أن تسود في هذه الحالة من عدم التفرقة في المعاملة سواء
على المستوى المادي وإشباع الاحتياجات الأساسية أو المستوى الشعوري،
أي مستوى إعطاء الحنان والتفهم والأذن الصاغية.
في معظم الطبقات الشعبية
تعتبر المرأة زوجها أهم وأحق بالرعاية من الأولاد لأنه يمثل
بالنسبة لها المسؤول عن كل شيء في حياتها بالنسبة للإنفاق واتخاذ
القرار، كما إن تربيتها منذ الصغر تؤكد على إعدادها للزوج، وأنه
ليس للمرأة إلاّ الزواج وخدمة الزوج، وإن تزوجت وفقدت أحد أولادها،
فالبركة في زوجها، وقد ينحرف ميزان التعامل بين الزوج والزوجة فيظل
الرجل دائماً هو المسيطر المهيمن على كل شيء وهي مجرد امرأة ضعيفة
ذليلة، ويتجلى هذا واضحاً في الزواج الثاني حيث تصبح المرأة أكثر
حرصاً على التمسك بزوجها سواء كانت أرملة أم مطلقة، ومن ثم ينعكس
هذا على تربية الأولاد في البيت الجديد.
غالباً ما تترك المرأة
أطفالها من الزوج الأول لدى الجد أو الجدة أو الأب إذا كانت مطلقة.
أما الرجل فغالباً ما يحتفظ بأولاده معه أو يتزوج من أجل رعايتهم،
وإذا كانت المرأة غير سوية في هذه الحالة، فقد تكيد لهم وتظهر غير
ما تضمر وإذا تعرض الطفل لقسوة زوجة الأب أو زوج الأم يتولد داخله
انكسار ومرارة قد تحوله في بعض الأحيان إلى مجرم. ولمثل هذه
الحالات من الممكن إيجاد مكاتب للتوجيه الأسري وتقديم رعاية بديلة
للأطفال من قبل متخصصين اجتماعيين وتربويين وعلماء نفس.
يقول علماء التربية: إن
الطفل في سن صغيرة يكون أكثر التصاقاً بأمه، وتتأثر الفتيات بفقدان
أحد الوالدين أكثر من الأولاد لأن الجوانب العاطفية عندهن أكثر.
وإذا حدث زواج ثان والأطفال
صغار، فقد يرتبطون بالأم الجديدة ويعتبرونها بديلاً للأم إذا أحسنت
معاملتهم.
ويرى الكثير أن الزواج
الثاني ضرورة حتمية سواء بعد طلاق أو ترمل الزوج أو الزوجة للتناسق
الاجتماعي والأسري وهو نوع من التعادلية، والحاجات العاطفية
الضرورية للأسرة كلها، والمعاملة الطيبة والمتوازنة للأطفال من قبل
زوجة الأب تتوقف على وعيها الحضاري وحسها العام وتربيتها.
إن من المهم التدقيق في
الاختيار للزواج الثاني أكثر من الزواج الأول الذي يعتمد على
اعتبارات أخرى كما يجب الاستغراق في دقة الاختيار بما يجب أن تكون
مصلحة الأولاد هي الأهم وأن يكون مبدأ المصارحة والمكاشفة ومنذ
الخطوات الأولى في طريق الزواج الثاني هو السائد ليكون الاتفاق
واضحاً وشاملاً لكل النقاط والمسائل التي من المحتمل أن تقع في
دائرة الاختلاف وعدم التوافق، حيث يكون ذلك دعامة قوية لبناء أسرة
سعيدة تكون فيها قيم الالتزام والنبل واستيعاب الهفوات والأخطاء
بكل عفوية وتسامح وترسيخ روح المودة والمحبة بين أفراد الأسرة،
لنضمن نجاح الزواج الثاني دون أي هضم أو تقصير في حقوق الأبناء،
ولا يخفى أن الوصول إلى هدف أو السعي لحل مشكلة أو أزمة يحتاج إلى
دراسة وافية وحكمة في التصرف ومساحة واسعة من الصبر واستيعاب رأي
الآخر ورفضه وإعطاء هذه المرحلة وقتها اللازم، وهو ما يجدر بالأب
والأم الالتزام به. |