The Syria of today offers tourists as much a cultural experience as a sightseeing one, where ancient history provides a fascinating backdrop to everyday life on the streets                          

 


توهجات امرأة الحب والمطر

 

عديدة هي المنافع التي جنتها البشرية من ثورة التطورات في الاتصالات وانتشار الفضائيات حيث أصبح الإنسان قادراً عبر الصحن اللاقط الزهيد الثمن على مشاهدة القنوات المختلفة في أفكارها ودوافعها وأطروحاتها وما تعرض من أزمات تتحدث بأسى وحزن كبيرين عما يعانيه البشر من ظلم وهضم على مختلف المستويات وابسط الحقوق.

ومن وسط هذه الثورة الإعلامية العارمة برزت بوضوح أزمة بالغة الخطورة أحسن من انطوى تحت دائرة ظلمها بأن هناك مشترك عالمي على ظلم المرأة والنيل من حقوقها وكرامتها، حتى يبدو وهو الأخطر أن من وراء هذه الأفعال السيئة التي تواجهها النساء قناعة بضرورة تهميش دور المرأة والحد من حركتها وفعاليتها وهذا يعني أن هناك انحرافاً في ما تؤمن به المجتمعات من أفكار ومسلمات يرافق ذلك تفاهات تضمنت في عادات وأخلاقيات المجتمع الذكوري موجهة في مجملها العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضد المرأة أضحت من قيمتها حضوراً في الوعي واللاوعي الاجتماعي أن التنازل عنها في أي حال من الأحوال أمر مرفوض لمساسها المباشر بكرامة الرجل وبالتالي الأسرة عموماً والمجتمع.

وقد تعددت المسببات لهذا التوجه العام في الاستهانة من حضور المرأة وتأطير حركتها وحصرها في دائرة خدمة الرجل وجعلها محلاً للذة والمتعة فقط.

ولعل أبرز العوامل التي بسببها تفاقمت أزمات المرأة سيادة مبدأ تسلط القوي على الضعيف ونزعة التحكم به واستغلاله، الأمر الذي أصبح فيه جمال المرأة ورقتها وعاطفتها الجياشة وبالاً عليها قد يكون عند بعضهن سبباً للحزن والألم البالغين.

وفي الوقت الذي نتيقن بأن مبدأ البقاء للأقوى، والحكم للأقوى هو النقطة التي تنطلق منها أفعال الرجال وسلوكياتهم تجاه المرأة ندرك تماماً حجم الكارثة الفكرية والأخلاقية والدينية التي نعيشها.

في المقابل نجد أن جمهوراً كبيراً يجد أن الذي صنع هذا الوضع السيئ الذي تعيشه المرأة إضافة لما مر ذكره المرأة نفسها، فليس من اليسير صناعة فكرة أو ترسيخ لسلوك عُدَ من العرف والتقاليد ما لم يشترك فيه جميع إبطاله من جلادين وضحايا، ولا يعني هذا أن المرأة تريد ذلك الوضع السيئ وإنما على أقل التقديرات أنها سمحت بذلك من خلال رضوخها والركون المبالغ (لأكثر من سبب) لواقع الحال والانبطاح أمام نزعاته الأمر الذي أوصل الحال إلى ما هو عليه.

انطلاقاً من ذلك يجد المنصفون أنه ينبغي تجاوزاً لهذا الوضع المتردي الذي تعيشه المرأة والعالم الإنساني كمحصلة حتمية لذلك أن تنطلق المرأة كفرد (في دائرة الأسرة) وكمجموعة (في دائرة المجتمع) في آن واحد في عملية تغيير بنية الفكر المجتمعي وأساسياته، ذلك الفكر الذي ينحو في العديد من ركائزه السلوكية والأخلاقية على استبعاد المرأة واستضعافها للتمكن من استغلالها والفساد دورها الحضاري والتنموي والثقافي إلا فيما يقع في دائرة رضا الرجل حقاً أو باطلاً.

وعليه واستلهاماً من قاعدة التغيير القرآنية لا بد للمرأة من أن تطلق عملية التغيير من ذاتها بأن تعرف نفسها وتدرك قيمتها ومكانتها وتعي دورها الإنساني الكبير في حركة الحياة ونموها وفي نفس الوقت ينبغي أن ندرك أن المرأة تماماً أن في انعزالها وانكفائها تكون أداة تخريب وهدم للإنسان والمجتمع وقبل ذلك لنفسها. وهو بالتالي يوجب عليها عقلاً وشرعاً بأن تلزم المرأة نفسها على لعب دورها الكامل واستغلال الفرصة لترسيخ سيادة النزعة الإنسانية في إدارة المجتمع التي تتبنى ما يمليه عليها إرادة العقل الجامع (عقل الرجل وعقل المرأة) على حد سواء على أساس الكفاءة دون تمييز بدافع طغياني أو تهميشي أو إلغائي.

ومن وسط أزمات المرأة المتعددة والمتنامية في تفاقمها وشيوعها وتضخماً تنبثق أصوات جريئة حرة تدعو إلى عودة الإنسان إلى فطرته وناموسه السامق الذي جعله الله تفضيلاً له على سائر المخلوقات ومن هذه الأصوات النابضة بمعاني المرأة الملتزمة والمتطلعة إلى تفعيل العقل وترسيخ نتاجه في طبائع وسلوكيات المجتمع الكاتبة العراقية خديجة أحمد التي ومن خلال مجموعتها القصصية (امرأة الحب والمطر) يدرك القارئ أنها تفتخر بجنسها وأنوثتها وهي بذلك تلفت أنظار كل الحالمات بغد سعيد تكون فيه المرأة حرة كريمة ويكون فيه الرجل إنساناً حراً كريماً. وإنها غير نادمة على المساحة الواسعة التي تحتلها تكوينات عاطفية وحسية مرهفة من قلبها وكيانها إنما هي على العكس من ذلك تتألق بذلك وتزداد توهجاً وحضوراً وهو ما يدل على اعتزازها بنفسها وثقتها بوجودها.

لقد أبدعت الكاتبة في طرح أزمات المرأة التي تعايشها بألم في أغلب مجتمعاتنا وذلك بتصوير دقيق ودرجة عالية من الإحساس المرهف بعوالم المرأة الداخلية.


تحولات شرسة


كيف: أحس (أبا هدية) الرجل المسكين أن الدنيا نفق مظلم بارد ليس فيه نور ولا هواء...

وهو ما تعيشه القيم وما يحس به عشاق ذاتهم الإنسانية

 


صراخ الصمت


إن صراخ الصمت الذي فجره الخوف الأبدي الذي زرع في أعماق (الأستاذ ياسر) ولم ولن يسمح لنا بقوة النسيان أن نرضخ لأن نقمع ذكرياتنا المحملة بابتسامات وأوراق الأستاذ ياسر.


 المنعطف


لم توفر العزلة التي ضربتها (هناء) على نفسها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام وأد (حنان) لماضيها بكل تفاصيلها التي من أبرزها أكذوبة الزوج الذي يراه الكثيرون قمة الأحلام والتطلعات فوجدت فيه (الكارثة)...

أبرز ما في المنعطف سخافة وانحطاطاً رأي زوج حنان (القمة) في زوجته بأنها متاع بنفق عليه بسخاء ليجده حاضراً بين يديه متى أراد.

أما أبرز في ذلك المنعطف سمواً ونبلاً (ثورة حنان) النابعة من حرصها على إنسانيتها ضد مهزلة المرأة الذليلة المهزومة، التي لم تجد مبرراً لأن تقدم إنسانيتها قرباناً على مذبح الأمومة لأنها ترى أن الإنسانية المسحوقة والأمومة المحطمة لا تقدمان العون لأحد فتخطت أسوار القلعة المسحورة بالصمت لتهرب بإنسانيتها وبطفليها ولتكون امرأة وليست شيئاً آخر.


 الرسالة


لقد استلمت فاطمة رسالة الفارس المجهول عقلاً وواقعاً الذي أكسب حياتها قيمة ومعنى، في الوقت نفسه أعلنت أن (فاطمة المرأة) ستكمل رسالة المجاهدين الأحرار فلم يكن الوطن والحرية والقيم الإنسانية والنضال في سبيلها حكراً على الرجال.

 


الحياة مخاض جميل


جميل أن يعود الإنسان إلى فطرته ليكون حقيقية لا جموداً ولا أنانياً ولا متسلطاً... فيسأل قبل أن تسأل: كم من اليسير أن تذبح المرأة عندنا ويراق دمها حتى من أقرب الناس إليها ولكن لماذا تستلم لذابحها وتستكين لنهايتها الدامية؟

والأجمل: خلقت تلك السيدة التي تتحمل آلام الحمل ومعاناة من يحيطونها بسبب ذلك الحمل وراءها مشاعر الأسى والإشفاق لأنها عاهدت نفسها أن لا تترك الظلام يتسلل إلى أعماقها فتلك الأعماق مسكونة بالنور والحياة.

 


امرأة الحب والمطر


كل من يقرأ شخصها... أفكارها... أحلامها... حدثها الحالم الماطر... كان بكل تأكيد يغتسل بذلك المطر البارد وقطراته البكر... يقف لينظر إليها بإعجاب كبير حينما لم تقبل أن تكون عدماً ولم تقبل أن تكون شيئاً لأنها امرأة.

ولم تستلم للحل الآخر... البكاء.

لأنها كانت امرأة واثقة بإنسانيتها فخورة غير نادمة على أنها امرأة... فوجدت من الأغنى لمشاعرها وتجربتها الإنسانية أن تعيش حباً فاشلاً من أن تتحجر تلك المشاعر وتجف مثل أملاح الكهوف التي تفقد نداوتها مع الأيام لتتحول إلى أحجار صلبة.

كل ذلك لأنها عادت امرأة أخرى تسكنها الحقيقة الحلوة.

 


وطن الحزن والظلام


يا ترى... كم (أحلام) في وطننا... عانت... وحلمت... وضحت... وجاهدت... وقدمت... وصبرت على ما تصبر عليها الجبال:

على عفاف وطهارة في زمن الضياع والشتات وعلى فقدان الأخ الطيب المجاهد والأم الموعودة بعودة الولد وعلى انتظار الحبيب عقد من السنين العجاف.

وأكثر من ذلك هجرة من وسط كله آفات ووحوش... عينها على زوجها وحبيبها... وقلبها يحتضن (أيمن) حفاظاً عليه ورضا له...

وبعد الهجرة... هجرة وغربة...

كم هي قوية (أحلام) وكم هي رائعة

لكن يا ترى: هل يجرؤ أحد على البوح بذلك...

ببساطة لا... لا لشيء... مع احترامي لها... فقط لأنها امرأة

 


المشهد الأخير


وفيه ما فيه... مما فيه تلك اللحظة الصارخة والمدوية... حينما فكرت... وقررت... وعزمت... وأقدمت... وفعلت... تلك التي رافقت (العم حمزة)... كل ذل تم بصمت ودون مشورة... إذ إنها لا تحتاج إلى ذلك... فإن تلقي بنفسها إلى التنور المستعر ناراً لتكون وقوداً ينضج خبزاً يطعم أفواهاً جائعة ويملأ بطوناً خاوية خير من أن تكون أداة تعذيب بأيدي الجلادين...

وذاك ما يعيش مجتمع الذكورة أميته... لذا لم يدركوا أن المرأة ليست محلاً للمتعة وإنما هي كوكباً للحياة... لكل الحياة.

إنك حينما تراقب مشاهد (امرأة الحب والمطر) أبطالها نساء شامخات متوثبات حالمات... تتحسس بقوة كيانات عاطفية ليس لها حدود... رقيقة... شفافة... بحر من العطاء الإنساني الخلاق... يثير في النفوس والأجواء ثورة على خرافات تحكم سلوكياتنا بعد أن قيدت قدرات تفكيرنا. ويفجر من بطون الصخور وآهات الصحراء محفزات تدعوك لأن تحب الآخرين وتبذل لهم لا لأنك تنتظر منهم شيئاً وإنما لأنها إنسان وليس لها إلا أن تكون كذلك.

 


أحزان الأسى


أحزان المرأة الأربعينية... التي لا تدري إلى أي مدى تتمكن من استيعاب واقعها الذي تعيشه، إذ  لا يبدو أمامها أي متسع للانطلاق هاربة، فهناك من يحاصرها عند كل مفترق، لتعود مرة أخرى منطوية على آهاتها ومشاعرها المهيضة.

لكنها ولأنها تدرك أن من العسير والمجهد للروح الاستمرار في حياة لا يشعر الإنسان فيها بحب شيء أو انتظار شيء، ولا يتحرك في أعماقه شوق أو تلهف لشيء... تندفع لفعل شيء... حتى إذا انطلقت من نقطة اليأس... ولأنها لم يكن بقدرتها أن تفعل شيئاً فإنها تزرع الآس إنها تتحرك بنفسها ومع نفسها وفي نفس الوقت تحرك الحياة لأنها امرأة والمرأة خزين هائل للحياة.

عزيزي القارئ عزيزتي القارئة

إن رحلة الكاتبة خديجة أحمد في (امرأة الحب والمطر) مشوبة بتوثب عال لاستصراخ الضمائر المتحجرة والمتكلسة تجاه حقوق المرأة وبعدها الإنساني الدافئ والذي ليس له حدود، إنها عملية تحذير وإلفات وتحفيز لبذل الجهود بعد الدعوة إلى قراءة جديدة للذات والعديد من القوانين المجحفة بحق المرأة والتي شرعت بإملاءات فكرية ضيقة، أو شخصية متوترة، أو استجابة الواقع حريص مثخن بجراحات الجهل والتخلف والنظرة الدونية من باب الاغترار بالنفس المبني على مبدأ الحكم للأقوى.

 
 Web site designed and maintained by Yaser Kherdaji
Toronto - Canada
Copyright 2003 -
سوريا يا حبيبتي - سوريا اليوم
تصميم و إشراف ياسر خرده جي 
تورونتو - كندا
المقالات و الآراء و محتويات الصفحات المنشورة في موقعنا لا تعبر بالضرورة عن عن رأي الموقع و انما تعبر عن رأي كتابها