|
أنا
إنسان... إذا أنا ناجح
بعد الانطلاقة الصناعية التي
أعقبت الحرب العالمية الثانية وسلسلة التطورات والاختراعات والاكتشافات
والتغييرات التي طرأت على مختلف مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، والتي من أعظمها وآخرها ما شهدته طرق التواصل بين الناس
ونقل المعلومات، دخل الإنسان بصورة ـ تتفاوت نسبتها بين إنسان وآخر ـ في
متاهات زحمة العمل ومتطلباته من تعدد الشهادات العلمية والتعمق في
الاختصاصات المطلوبة وتعدد اللغات ضماناً لفرصة عمل أفضل تكفل مستقبلاً
متفائلاً ومزدهراً يرافق ذلك توسع كبير في ضروريات المعيشة والحياة
عموماً من سيارة جيدة وجهاز كومبيوتر والموبايل... الخ، إضافة إلى ضغط
هائل تشكل عبر تقدم سريع في ظهور (الجديد) الذي لا يمكن للإنسان
ولمواكبة سير عملية الحياة المعاصرة أن يتخلى عنه أو الاكتفاء بالذي
سبقه ولو بعد حين.
كل ذلك فتح لإنسان نصف القرن
الماضي وهذا القرن باباً جديداً يحثه على مراجعة الذات وفتح حوار صريح
مع النفس والبحث في إجابة على أسئلة مهمة:
أين أنا الآن، وأين موقعي غداً؟
ما هي قدراتي، وهل لدي إمكانيات تؤهلني لتحقيق نجاحات؟ هل أنا ذكي،
ولماذا أنا كثير النسيان؟ هل أنا مقبول لدى الناس؟ كيف أنجح في حياتي
العملية؟... الخ.
ولا يخفى أن كل هذه الأسئلة تصب
في مصب واحد لسؤال واحد:
هل أنا ناجح، هل أنا موجود فعلاً؟
لقد دفعت هذه الحيرة الصاخبة
علماء الأديان والأخلاق والاختصاصيون في علم النفس والاجتماع تداركاً
لحالة الاستغراق في ظل سرابات هذه الأسئلة التي بها كاد يتحول الإنسان
إلى موجود لا يؤمن بوجوده أو لا يثق من جدوى وجوده إلى وضع مناهج
استبيان تتضمن العديد من الأسئلة مصحوبة بأجوبة مختلفة يختار أحدها ومن
مجموع نقاط الأجوبة يستكشف بها الإنسان(المُختبِر والمختَبَر) خفايا
نفسه وأسرار لا وعيه كأن يعرف أنه يحب الكذب، أو أنه مغرور، أو منافق،
أو فاشل، أو سلبي، أو مرائي، أو يحب الاستحواذ على ما عند غيره، أو
طامع في كل شيء يعجبه وإن لم تسمح له اللياقة والحياء بذلك، أو أن
غروره مصحوباً برغبة جامحة في امتلاك الآخرين و امتلاك حاجياتهم، وإن
لم يرغبوا بذلك! وإن سبب ذلك تعاسة لهم وحزناً وألماً! يدفعه لأن يتصور
أنه من الممكن أن يمتلك أي شيء يريد أن يمتلكه، وإن من حقه أن يستحوذ
على أي شيء لمجرد رغبته في ذلك...
إن العقل والشرع يوجبان على
الإنسان السعي وبطرق شرعتها الشرائع السماوية أو القوانين الوضعية بغية
بلوغ مراتب العلم العالية أو جمع ثروة كبيرة من أموال وأملاك، أو
امتلاك لأي شيء آخر، وحتى اختيار الزوجة أو الزوج يقع في الإطار نفسه،
لكن هنالك من يأخذ بنصف الحقيقة لينطلق في رحاب السعي وبلوغ النجاح،
ظناً منه أنه قد أحسن صنعاً، لوفرة من ذكاء يتمتع بها دون غيره أهّلته
لاكتشاف طرقاً جديدة في الكسب، لا تلتزم بمثاليات السبل وأخلاقياتها،
نازعاً عن فكره وسلوكياته كل إملاءات الفطرة الإنسانية النقية الصافية
التي تتوق للفضيلة والبر وقيم الخير والجمال والطهر والعفاف.
لقد جعل الله لنا هذه الأرض
الواسعة ميداناً للكسب الحلال والمشروع، فنزرع لنحصد، ونعمل لننتج،
فنأكل، وفي جانب آخر، خلق الله الذكر والأنثى وجعل سبلاً محددة لحصول
التوافق على المشاركة في الحياة كزوجين صالحين يسعيان لتكوين أسرة
صالحة تسهم في خدمة المجتمع الإنساني، وهكذا في أمور التجارة والسفر
وكل أمر ليشترك فيه إثنان أو أكثر.
إذاً هناك ضوابط في كل تفصيلة
من تفاصيل الحياة كبيرها وصغيرها، تحفظ لنا حضاريتنا ونوعنا الإنساني،
ولا يمكن الخروج عنها أو حتى التميع في فهمها، أو التغنج في التعامل
معها، في أي حال من الأحوال، فالله تعالى لم يأذن في التصرف بما يملكه
الآخرون من أشياء قد تباع وتشترى بدراهم معدودة، فكيف يمكن لأحد يدعي
أنه من بني البشر، المتاجرة بمشاعر وأحاسيس الناس فضلاً عن عواطفهم
ورغباتهم؟! وكيف يتسنى له إكراه الآخر ـ رجلاً أو امرأة ـ على حبه
ومودته والاقتراب منه ومشاركته حياته، في الوقت نفسه يسطع النداء
القرآني (لا إكراه في الدين) بإشراقات حرية الرأي والكلمة، وحرية كافية
ومتكاملة في حركة العاطفة والوجدان في أعظم الأمور وأخطرها في حركة
الإنسان ورسم دائرة مصيره.
إن من المهم للإنسان أن يدرك أن
ماله لا يحق للآخرين التصرف فيه، علماً أن الله تعالى قد وضع أيضاً
للتعامل في ماله شروطاً، إذ أن ملكية الإنسان للأشياء ملكية اعتبارية،
وأن ملكيتها الحقيقية هي ومن يملكها وكل المخلوقات لله تعالى وحده لا
شريك له، وأن ما ليس لك فهو لغيرك لا يجوز لك التصرف به دون إذن صاحبه،
وإلا احتسبت سارقاً أو متطفلاً أو طامعاً أو غريراً.
لقد قدم الفكر الإسلامي منهجاً
عظيماً يضمن للإنسان حركة متوازنة من خلال اعتماد أسس عقلية (فكراً
وعملاً) تمنع عنه إحباطات الأسى على ما فات وإفراطات الفرح بما هو آت،
ودون الركون إلى الانكفاء والتقاعس، وإنما تفاعلاً متوثباً خلاقاً
دؤوباً، مع الحياة، وفي خطي حريتها ونموها، وفي الوقت ذاته دعم الإسلام
تلك الحرية المتوازنة بقيم أخلاقية تتسامى على المحددات والضوابط
البشرية والدينية لتخلق منه إنساناً حراً في حركته واختياره وانتماءاته.
إن القيم الإنسانية التي دعت
لها الأديان وخاصة الإسلام لا تخضع لقوانين رياضية صارمة وإنما هي
انطلاقة للإنسان عميقة المعنى وواسعة الأرجاء أهم ميزاتها أن يعطي
الإنسان (رجلاً أو امرأة) بلا حدود ليأخذ (بل يضمن) إنسانيته، و أن يحب
بلا حدود فما الدين إلا الحب، وما وجود الإنسان الحقيقي إلا من خلال ما
يعتمر قلبه من حب للناس، ولعل الذي يوضح تلك القيم ويرسخ حضورها في
العقل والوجدان ما يروى عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
ذبح شاة وقسمها إلى أجزاء صغيرة وأخذ يوزعها على جيرانه حتى لم تبق إلا
واحدة فقالت إحدى نسائه: كلها نفدت وواحدة بقت، فقال لها (صلى الله
عليه وآله وسلم): كلها بقت إلا واحدة نفذت.
وعليه، فإن نجاح الإنسان
الحقيقي لا يخضع لإحصاءات رقمية أو كمية دراهم غير معدودة أو ممتلكات
مادية أو منصب أو جاه، إنما من خلال ارتقائه مراتب الالتزام بالقيم الأخلاقية
التي يرفض بها فكرة الخطأ أو القيام بعمل مشين أو منحرف قبل أن يرفض
الخطأ أو العمل المنحرف ذاته، إنه تألق في العطاء والبذل والإيثار وتوق
لجوهر وحقيقة الأشياء والأفعال وتسامي إرادي متوقد وواع عن المظاهر
والشكليات للحفاظ على إنسانيته الذي به يكون ناجحاً، لأنه نجح في أن
يكون إنسان. |