The Syria of today offers tourists as much a cultural experience as a sightseeing one, where ancient history provides a fascinating backdrop to everyday life on the streets                          

 


انفصام الشخصية

 يلتقي الناس بعضهم بعضا. يثرثرون ويتناقلون آخر أخبار فلان أو فلان.. في الحالة التالية التي سجلتها مجلات الدراسات النفسية نناقش هذا المرض النفسي الغريب، ملقين الضوء على احتمالات مسبباته وطرق علاجه.

جلس على كرسي الطبيب النفسي رجل في حوالي الخمسين من عمره، يعمل في الطلاء (صباغا ونقاشا للحوائط والبيوت) وبعدما جلس قليلا بدأ يتصرف بشكل غريب وفي عصبية غير محسوبة، نقر الباب ودخلت زوجته وكانت تصغره بحوالي ثلاث سنوات، جلست على الكرسي المقابل له وبدت عليها علامات التوجس والخوف تخشى أن تخبر الطبيب مما يعاني منه زوجها، تخشى من غضبه وانفعاله، وكأنه يتنصت على شيء. ثم تصيبه حالة من الذعر الشديد ويصرخ منزعجا قائلا أن البوليس قادم لا محالة للقبض عليه، وانهم يترصدونه وان موقفه سيئ وعندما تسأله زوجته عما إذا كان قد قام بشيء، أو تسأله عن سر اتهامه، لا يستطيع الإجابة وينطوي على ذاته ثم يبدأ في الهمهمة. فهو بشكل عام غير قادر على التركيز أو الحياة بشكل طبيعي.

هنا أمر الطبيب بضرورة إدخاله مستشفى حتى تتسنى ملاحظته وعلاجه بعد دخوله إلى قسم الأمراض النفسية بدا المريض متوترا، مرتبكا، ومضطربا، بشكل عام كان يهلوس وتحكمه ضلالات الاضطهاد.

هنا سألت الزوجة الطبيب عن معنى (ضلالات الاضطهاد)، فقال:  أنه نوع من أعراض المرض العقلي، وفيه يعتقد المريض اعتقادا خاطئا ـ لا يمكن إقناعه بعكسه ـ  أن ثمة أشخاص آخرين يدبرون له المكائد والمؤامرات بغية إيذائه والحاق الضرر به، واحيانا ما تكون هذه  الضلالات ـ البعيدة عن الحقيقة ـ منظمة ومرتبة بحيث أن أي حدث صغير يؤخذ دليلا عليها حتى لو لم تكن له بالمريض أي صلة غير مبررة أو غير مقنعة.

جلس المريض على كرسي الطبيب النفسي وكان لا يزال متوترا مشدودا عصبيا. غير أن تأثير الدواء كان واضحا عليه، وكلما حاول مقاومة هذا التأثير وضح اضطرابه وضاق صدره، وبالفعل كانت قوة الاضطراب العقلي شديدة، فقام متفزعا صارخا في الدكتور متهما إياه وزملاءه بالتجسس عليه، والتآمر مع البوليس ضده.

 الذهان والاكتئاب

حاول الطبيب تفسير بعض الأمور له واكتساب وده، لكنه لم يتمكن من البقاء في غرفة الفحص ومضى مهرولا وراءه ثلاثة من هيئة التمريض. دون الطبيب في ملاحظاته بعض الأعراض ثم كتب التشخيص بخط واضح: (اضطراب ذهاني اضطهادي مع اكتئاب)

سألت طالبة في كلية الطب، وما معنى ذهاني؟

رد الطبيب: المعنى العامي له هو (الجنون)، أي فقدان الصلة بالواقع، وعدم القدرة على التعامل معه، وسماع أصوات عندما لا يكون هناك أحد، وفقدان الترابط النفسي، والاعتقاد الخاطئ بأن آخرين يدبرون له المكائد والمؤمرات.

سالت الطالبة الأخرى الدكتور: هل يمكن أن تجتمع الحالتان معا الذهان والاكتئاب؟

هز الطبيب رأسه مجيبا: نعم.. الاكتئاب كمرض من الممكن أن يكون أوليا كحالة منفردة، خاصة عندما لا يكون هناك ما يصاحبها، أو أن يكون ثانويا لمرض آخر، وهو أمر شائع جدا في الطب النفسي كما في هذه الحالة، وأيضاً فإن الاكتئاب كعرض من الممكن أن يظهر على أي مرض وخلال تطوره، بل أن هناك ما يسمى بالاكتئاب الذهاني، وهو نوع من الاكتئاب الشديد يفقد فيه المريض صلته بالواقع وتختلط مشاعر الاكتئاب العدمية بالرغبة الشديدة في الموت والزهد في الحياة.

ازدواجية وضلالات

أحال الطبيب المريض إلى اختصاصي علم النفس الذي قام بعمل الاختبارات النفسية التي أوضحت نتائجها بعض التدهور في القدرات العقلية، لكن كل الفحوص الطبية الأخرى مثل «رسم المخ» و«التصوير الإلكتروني الشعاعي للدماغ» لم تفصح عن أي شيء. وبعد شهر من إقامة المريض في المستشفى، تحسنت قدراته الذهنية وزالت الغشاوة التي كانت تؤثر في إدراكه، لكن كانت هناك مفاجآت للجميع: الطبيب النفسي المعالج، والهيئة التمريضية وزوجة المريض، حيث بدأ المريض يقول إن زوجته التي تزوره يومياً ليست زوجته، لكنها مجرد امرأة أخرى تشبهها تماماً؟! وإنه يعتقد اعتقاداً جازماً أن شيئاً ما قد حدث لها، شيئاً خطير أدى إلى استبدالها بامرأة أخرى؟!!

صمت هنيهة ثم قال:

ـإني أحب زوجتي حباً جماً، لكني لا أتمكن من رصد أي مشاعر تجاه تلك المرأة البديل التي تزورني. وبعد فترة أسبوع تقريباً امتدت أعراض المرض، لتشمل ابنة المريض فيما يتعلق بشكوكه بأنها ليست ابنته، وقرر الطبيب النفسي إعطاء المريض جلسات من العلاج بالصدمة الكهربية، معتمداً على نظرية أن هذا العلاج يفيد الاكتئاب، وأن الاكتئاب كان السبب الرئيسي وراء كل تلك الأعراض المفاجئة. لكن ـ مع الأسف ـ ساءت حالة المريض، زاد تهيجه واكتئابه، كما زادت ضلالاته حدة واشتعالاً، واستمر الاعتقاد الخاطئ بـ«ازدواجية الزوجة والابنة»، وهنا قرر الطبيب حقنه بمطمئن قوي وهو (الهالوبيرودول) الذي حسّن من حالته.

 صراع يدور

قدم الطبيب الحالة في الاجتماع الأسبوعي لهيئة القسم، وذكر أن شخصية المريض كانت منطوية للغاية، بينما كانت شخصية زوجته قوية ومسيطرة، وكان واضحاً أن ثمة صراعاً يدور بينهما على الدوام، بينما كان الزواج ـ على السطح ـ يسير على ما يرام، وخلال الأشهر القليلة قبل مرض الزوج أصبح عطوفاً ورقيقاً بشكل غريب خاصة تجاه زوجته، كما زادت رغبته في المعاشرة الزوجية، أيضاً كان يطلب منها العطف والحنان باستمرار، وهذا مما زاد الطين بلة، لأن زوجته ـ في المقابل ـ زاد برودها وأصبحت منزعجة من تغير سلوكه تجاهها.

وتطور هذا الأمر إلى أن صارت عدوانية تجاهه. وجد الزوج من العسير عليه تقبل عدوانية زوجته أكثر من ذلك، وكان رد فعله أن اعترض على حبه لها، ولما أحبطت آماله أكثر، وبدأت مشاعر العداء والكراهية تغلي داخله، كان الحب والكره يعيشان معاً في نفسه.

البديل والحقيقي!

مرض كابجراس، أو مرض الازدواج، مرض نادر يعتقد فيه المريض أن شخصاً ما ـ غالباً ما يكون قريباً منه في العائلة أو العمل ـ أخذ مكانه، شخصاً آخر مثله تماماً، ووصف المرض للمرة الأولى عام 1923 بواسطة الدكتور كابجراس وآخر اسمه د. ريبولاشوكس. وتعد من أهم علامات المرض خصوصيته الشديدة فيما يتعلق بـ«البديل»، تقريباً في كل حالات المرضى المتزوجين، يكون الزوج أو الزوجة هو البديل المزدوج الأساسي، أما في غير المتزوجين فيكون أحد الوالدين أو الاخوة هو المحور.

وإذا حدث وانتشرت أعراض المرض إلى بدائل أخرى، فستلحق الأقرباء لا الغرباء، ويكون «البديل المزدوج» شخصية مهمة محورية في حياة المريض، ومن الممكن أن يكون الطبيب المعالج نفسه أو الممرضة مثلاً عرضة لمرض البدائل بكل احتمالاته، ويحدث المرض والمريض متيقظ وواع تماماً، وهنا فاجأت إحدى الممرضات في الاجتماع العلمي الطبيب بسؤال:

ـ لكن لماذا يحدث هذا المرض؟ ويا ترى ما هي أسبابه؟!

ورغم معرفة الطبيب المعالج بالحالة واسرارها فإنه تمهل رويداً، حك فروة رأسه ثم أجاب:

ـ إذا بحثنا في المعنى المختبئ وراء هذا المرض تحديداً، أو المفهوم العلمي (التفسير ـ الدينامي) سنجد أن أعراض المرض تظهر لتحل اشكالية «التناقض الوجداني» الذي يعيشه المريض قبل ظهور الأعراض، بمعنى أن «البديل» لا «الحقيقي» من الممكن على المريض مواجهته بكل المشاعر السلبية: الكره، الحقد، الضيق، العدوانية، كل ما كان كامناً وكان المريض غير قادر على إظهاره للشخص الحقيقي، بمعنى أن يعرب عنه للبديل فوراً دون خوف ودون أدنى إحساس بالذنب مثلما ظهر في حالة مريضنا وزوجته المسيطرة على ضعف شخصيته وقوة شخصيتها.

وهنا سأل طالب في كلية الطب الطبيب عن سبل العلاج والحكم في المرض.

فرد الطبيب قائلاً:

ـ على الرغم من أنه ليس هناك علاج محدد للحالة، فإن علينا معالجة كل أعراض (الذهان) أي المرض العقلي، وفي بعض الحالات تختفي فجأة أعراض اختلال الصلة بالواقع كنتيجة مباشرة للعلاج الكيميائي، ولكن ـ مع الأسف ـ تظل ضلالات البديل كما هي، وأحياناً يحدث العكس، بمعنى أن تختفي فجأة ضلالات البديل، بينما تظل الحالة الذهانية (المرضية العقلية) كما هي، بل وتزداد سوءاً بمرور الوقت.

الوعي الأساس

المهم أن نلاحظ كجمع معالج للتدهور الحادث في علاقات المريض الشخصية، ذلك التدهور والانهيار يحدث بين المريض والشخص المعني قبل ظهور المرض، ومن ثم فإن العمل على الوقاية من الصورة الصعبة للمرض يكون بمحاولة تطوير العلاقات المتبادلة بين المريض والآخرين في محيطه، بمعنى حمايته ووقايته قدر الإمكان.

وبالطبع لا يمكن أن يتحقق ذلك بسهولة لقلة الوعي وعدم إدراك أهل المريض والمحيطين به بمستقبل أو تطور الحالة، ولكن إذا حدث وظهرت أعراض المرض، فإن أهم جزء في العلاج هو توعية زوج أو زوجة المريض بجميع الظروف المحيطة، وإفهامه أو إفهامها نوعية المرض وصراعات الشخصية وتطوراتها، لأن الوعي والاستبصار يشكلان دعامة أساسية في مختلف تلك الأمور.

 
 Web site designed and maintained by Yaser Kherdaji
Toronto - Canada
Copyright 2003 -
سوريا يا حبيبتي - سوريا اليوم
تصميم و إشراف ياسر خرده جي 
تورونتو - كندا
المقالات و الآراء و محتويات الصفحات المنشورة في موقعنا لا تعبر بالضرورة عن عن رأي الموقع و انما تعبر عن رأي كتابها